الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

237

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولا أنسى وحدي ، بل ستنسى مناهجي وسيرتي أيضا ، أكد كل ذلك بتعبير لا تذرني من مادة ( وذر ) على وزن مرز بمعنى ترك الشئ لقلة قيمته وعدم أهميته . وأخيرا فإن جملة وأنت خير الوارثين تعبر عن حقيقة أنه يعلم أن هذه الدنيا ليست دار بقاء ، ونعلم أن الله خير الوارثين ، ولكنه يبحث - من جهة عالم الأسباب - عن سبب يوصله إلى هذا الهدف . . فاستجاب الله هذا الدعاء الخالص الملئ بعشق الحقيقة ، وحقق أمنيته وما كان يصبوا إليه ، كما تقول الآية : فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ومن أجل الوصول إلى هذا المراد أصلحنا زوجته وجعلناها قادرة على الإنجاب وأصلحنا له زوجه . ثم أشار الله سبحانه إلى ثلاث صفات من الصفات البارزة لهذه الأسرة فقال : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا ( 1 ) وكانوا لنا خاشعين والخشوع هو الخضوع المقرون بالاحترام والأدب ، وكذلك الخوف المشفوع بالإحساس بالمسؤولية . إن ذكر هذه الصفات الثلاث ربما تكون إشارة إلى أن هؤلاء عندما يصلون إلى النعمة فلا يبتلون بالغفلة والغرور كما في الأشخاص الماديين من ضعفاء الإيمان ، فهؤلاء لا ينسون الضعفاء المحتاجين على كل حال ، ويسارعون في الخيرات ، ويتوجهون إلى الله سبحانه في حال الفقر والغنى ، والمرض والصحة ، وأخيرا فإنهم لا يبتلون بالكبر والغرور عند إقبال النعمة ، بل كانوا خاشعين خاضعين أبدا . * * *

--> 1 - " رغبا " بمعنى الرغبة والميل والعلاقة ، و " رهبا " بمعنى الخوف والرعب ، وهناك احتمالات متعددة في محلها من الإعراب ، فيمكن أن تكون حالا أو تمييزا أو مفعولا مطلقا ، أو ظرفا أي في حال الرغبة وفي حال الرهبة . وبالرغم من أن نتائج هذه الاحتمالات الخمسة تختلف مع بعضها ، إلا أن هذا التفاوت في جزئيات مفهوم الآية ، لا في أساسها ونتيجتها .